|
السيد الوزير، السادة المؤتمرين،
من
وقائع التاريخ أن فرنسا ساهمت إلى حدٍّ بعيد في
المساعدة على صنع الدولة اللبنانية ابتداءاً من
منتصف القرن التاسع عشر مروراً بإعلان دولة لبنان
الكبير بحدوده الحاضرة في العام 1920، وإعلان
الجمهورية في العام 1926. لقد كانت فرنسا شريكاً
أساسياً وفاعلاً في صنع الحدود الجغرافية والأطر
الدستورية للدولة اللبنانية؛ وهذه الحدود هي اليوم
موضِع نزاعٍ وتشكيكٍ وانتهاك.
إن
الممثلين السياسيين للشعب اللبناني إذ يلبّون
اليوم الدعوة لهذا المؤتمر، فإنهم وعلى رغم
خلافاتهم الداخلية أو خلاف بعضهم مع فرنسا يؤكدون
علناً اقتناعهم بأن دولتكم تحظى لديهم بصفات
الدولة الصديقة الموثوق بها وبقدرتها على جمع
اللبنانيين وتسهيل الحوار في ما بينهم أملاً
بالوصول إلى حلولٍ تحمي لبنان حدوداً وكياناً،
شعباً وأرضاً، وتعيد بناء دولةٍ جديرة بالحياة
ومواكبة العصر.
لكن
الاجتماع في باريس لا يمنعنا من مصارحتكم، أننا
كنا نتمنى أن يُبادر الأطراف اللبنانيون إلى تنظيم
حوارٍ مشابهٍ على أرض الوطن وضمن المؤسسات
الدستورية.
القضايا المطروحة في لبنان تبدو كأنها خلافٌ بين
الزعامات والقوى السياسية، بينما هي تشكلّ في
حقيقتها أزمةً بنيويّة تطال أسُسَ الوطن ومنطلقاتَ
نظامه السياسي وتكوينه الاجتماعي والاقتصادي.
السؤال المطلوب الإجابة عليه هو: أيُّ لبنان نريد؟
وكيف نتفق على نظامٍ سياسي قابل للحياة ويشكل في
الوقت نفسه بيئةً مميّزةً للتفاعل الإنساني
والثقافي ولاستيعاب التنوع وإعادة صياغته بصورةٍ
عصريّةٍ متقدّمة.
علينا في هذه المرحلة الخطرة من تاريخنا المعاصر
أن نتوصل إلى صيغةٍ مرحليّة توفّق بين ضمانات
الطوائف وحقوق المواطن بصرف النظر عن طائفته، لأن
المواطن هو أساسُ العملية الديمقراطية.
هذه
كانت مشكلة لبنان قبل الطائف، وللأسف لم يتمكّن
الدستور المنبثق من وثيقة الوفاق الوطني من حلِّ
هذه المشكلة بل ساهم حتى في تعميقها نتيجةً
للانحراف في تطبيقه وللأداء السيّء والذهنية
السياسية التي سادت أثناء فترة الوصاية السورية،
فتعزَّزت الهويات الطائفية والانتماءات المذهبية
على حساب الهوية والانتماء الوطنيين. ومع التسليم
بأن لبنان وطنُ أقلياتْ، وإلى أن يؤدي التطور
السياسي والاجتماعي إلى تجاوز الطائفية وإلغائها
بشكل هادئ وسليم ومتدرج، لا بد من نظام سياسي
مرحلي يُطمئن الأقليات ويحفظ الثوابت التاريخية
ويؤسّس لقيام دولةٍ لا طائفية ذات منحى مدني؛
نظامٍ قادرٍ على الإستفادة من تجارب الماضي
بإيجابياته وسلبياته من جهة وعلى النظر إلى
المستقبل بانفتاحٍ وجُرأة لإرساء دولة الحداثة
والمعاصرة من جهة ثانية، وبذلك نحافظ على معنى
وجود لبنان.
إن
تصاعد الأزمة السياسية في لبنان وما تحمله من
مخاطر يُلزمنا بالمصارحة والمكاشفة والجرأة على
طرح التساؤلات التالية:
هل الخلل السياسي اليوم هو خللٌ في الدستور نفسه،
أو في طريقة تطبيقه وعدم الالتزام بنصوصه؟ أم أن
الخلل السياسي ناتجٌ في حقيقته عن سِنينَ طويلة من
التهرب من مواجهة الواقع اللبناني بتناقضاته وعدم
السعي للتوصل إلى حلولٍ جذرية لمستقبل لبنان؟
هل صيغة الطائف التي أنهت الحرب الأهلية قادرة على
نقل لبنان من مرحلة الإنتماء المذهبي والطائفي
ودولة المحاصصة الطائفية إلى مرحلة الانتماء
الوطني وبناء الدولة العادلة بين المواطنين
والقادرة على حماية الطوائف؟
هل
الدستور هو مجموعة مواد قانونية جامدة تنظّم إدارة
شؤون البلاد وغير قابلة للتعديل، أم يجب أن يكون
قادراً على مواكبة مراحل تطور الدولة وبالأخصّ في
المرحلة الحالية حيث تتزايد الثغرات والالتباسات؟
لا
بد من التساؤل أيضاً لماذا لم تطبق جميع البنود
الإصلاحية التي تضمّنتها وثيقة الوفاق الوطني، وهل
تتحمّل سوريا وحدها مسؤولية ذلك أم أن المسؤولية
أيضاً تقع علينا كلبنانيين؟ بمعنى أدقّ،
لماذا زاد عدد أعضاء مجلس النواب من 108 إلى 128،
ولم يتم استحداث مجلس للشيوخ؟
لماذا لم يتم تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء
الطائفية السياسية؟
لماذا لم ينص الدستور الجديد على اللامركزية
الإدارية، أو لماذا على الأقل لم يصدر قانون
اللامركزية الادارية الموسّعة على أساس انتخاب
مجالس الأقضية؟
لماذا لم يتم إدخال ضمانات في صلب الدستور تحصّن
دور القضاء وتؤكّد عليه كسلطةٍ مستقلة ثالثة
وأساسية في إرساء دولة الحق؟
أسئلة كثيرة وجوهرية تطرح نفسها. وقد أردنا أن
نطرح بعضها ليس من باب الاتهام بل لتحديد
المسؤولية اللبنانية وبشكلٍ أدقّ مسؤوليتنا نحن
كطبقة سياسية ومنعاً للتهرّب منها تمهيداً لاتخاذ
القرارات الإنقاذية.
علينا أن نعترف بأن المرحلة التأسيسية التي حددتها
وثيقة الوفاق الوطني لتثبيت النظام السياسي جرى
تجاوزها من دونِ الاستفادة منها وليس المجال
مُتاحاً للدخول في الأسباب؛
علينا اليومَ مواجهةُ الواقع اللبناني بمسؤوليةٍ
وشفافية، ويجب أن نعترف بأنه بعد سِنينَ طويلة من
الاستقلال ما زلنا شعباً ممزّقاً، تنخرُ فيه
الطائفية والمذهبية والمناطقية.
علينا اليومَ أن ننطلق لبناء دولةٍ ديمقراطية
عصرية تؤمّن لكل فردٍ الحقَّ بالاختلاف والحقوق
المتساوية أمام القانون.
علينا اليومَ أن نطوِّرَ نظامنا السياسي من خلال
مؤسساتنا الدستورية والمبادئ الديمقراطية للدولة
ليصبح الدستور أداةً لإدارة شؤون وطننا لا سبباً
لتعطيلها.
علينا أن نقتنع بأن جميع مؤسساتنا الوطنية تعيش
أزمةً حقيقية نتيجة تضارب المصالح المذهبية
والطائفية بين اللبنانيين ونتيجة التدخلات
الخارجية، ولا بُدَّ من مرحلةٍ إنتقالية تسمح
بصياغة الأُطُر الصالحة لبناءِ نظامٍ ديمقراطي
مستقبلي يؤمّن الحقوق المتساوية لجميع الطوائف
اللبنانبة ويضع حداً لمشاعر الغُبنِ والخوف.
ولأنه لا يجوز مُطلقاً إبقاءُ موقع الرئاسة الأولى
شاغراً بعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي، ولا يجوز
الاستمرار بتعطيل مجلس النواب والاستمرار أيضاً في
تصاعد حدّة الأزمة وحدّة الصراع حول السلطة وما
يرافق ذلك من تدهور للوضع الاقتصادي وتزايد حدّة
الضائقة المعيشية،
فإنه من واجبنا أن نجد بالتوافق الحلول المرحلية
للقضايا الخلافية المطروحة من تعطيلٍ للمجلس
النيابي، إلى تشكيل حكومةٍ جديدة، إلى انتخاب رئيس
للجمهورية، إلى إجراء انتخابات جديدة على أساس
قانونٍ يؤمّن صحة التمثيل لجميع اللبنانيين.
انطلاقاً من هذا، ندعو إلى جعل الاستحقاق الرئاسي
موعداً مع الإنقاذ لأن أيَّ شغورٍ في مركز رئاسة
الجمهورية يولِّد أزمةً تصيب أضرارُها جميع
اللبنانيين.
وحيث أنه لا يجوز أن تكون قراءةُ النص الدستوري
قراءةً سياسية، فإن جلسة انتخاب رئيسِ الجمهورية
لا تنعقد إلاّ بنِصابِ الثلثين؛
وحيث أن تشكيل حكومة اتفاقٍ وطني بإعطاء المعارضة
الثلث الضامن يجب أن يترافق بتعهّد جميع الأطراف
والتزامهم المشاركة في انتخاب رئيس الجمهورية وعدم
الاستقالة، وإلاّ أصبحت جميع المؤسسات الدستورية
تحت قبضةِ الأقليّة؛ وهذا نقيضُ الميثاق
والديمقراطية، وقد يفتح البابَ أمام نِزاعاتٍ
خطيرة. وعليه،
اذا
كانت اللعبة الديموقراطية تسمح بتعطيل عقد جلسة
انتخاب الرئيس في الفترة الدستورية الممتدة من 23
أيلول الى 23 تشرين الأول بهدف التفاوض على رئيس
وفاقي، فإن الإستمرار
بمقاطعة جلسات الإنتخابات خلال الأيام العشرة
الأخيرة من ولاية الرئيس تُفرغ اللعبة الديمقراطية
من مضمونها وتصبح تعطيلاً للإستحقاق الرئاسي ما
يُدخل لبنان في أوضاع كارثية.
ولأن "التكتل الطرابلسي" متمسكٌ بمواصفات الرئيس
المقبل لا بشخصيةٍ معيّنة ولا يضع فيتو على
الأسماء، ولأننا نرغب فعلاً بالخروج من الأزمة
السياسية الراهنة فإننا نقترح ما يلي:
-
انتخابَ رئيسٍ جديدٍ في الموعد الدستوري وبنِصاب
الثلثين بالتزامن مع تشكيل حكومةِ وفاق وطني
تتَّصف بشراكة حقيقية بين جميع الأطراف الممثلة في
مجلس النواب والاتفاق على قانون انتخاب جديد
تمهيداً لانتخابات نيابية مبكرة تجريها حكومةٌ
حيادية من غير المرشحين.
|