|
|
كلمة النائب محمد كبارة خلال مناقشة البيان الوزاري مساء الأحد، 10 آب، 2008 دولة الرئيس ، السادة الزملاء ضاع من عمر البلد سنتان ونصف السنة.. وضاع من عمر اللبنانيين سنين وسنين من الجد والجهد والتعب. هاجر شبابنا، واستحكمت بالناس الهموم والضغوطات، وكاد الجميع أن يفقدوا ثقتهم بوطنهم وإمكانيات قيامته. كان الهدف: انهيار الدولة، وانهيار المؤسسات، وسيطرة دويلات الأمر الواقع... فتعطل الحوار وجرت محاولة إسقاط النظام عن طريق عدم الاعتراف بشرعية الحكومة واستقالة الوزراء، وتم إغلاق المجلس النيابي لمنع انتخاب رئيس جديد للجمهورية، إضافة لاحتلال الساحات العامة والأملاك الخاصة وقطع الطرقات واجتياح بيروت... ثم انتقلت المحاولات لإسقاط طرابلس. ما حصل في السنوات الثلاث الماضية حفر خنادق بين اللبنانيين وعمّق الانقسامات بينهم، باسم مشاركة لم تهدف في حقيقتها أكثر من السيطرة على القرار السياسي من قبل أقلية تعتقد بأنها تملك ولاية على الوطن وتملك الحق باختزاله وبتقرير مصيره ولو كان ذلك عن طريق فرض رأيها بقوة السلاح.
دولة الرئيس، الزملاء الكرام، إن الحرص على الوطن هو الذي فرض اتفاق الدوحة الذي جاء على شكل "اتفاق استثنائي اقتضته مرحلة استثنائية." وعلى الرغم مما احتواه هذا الاتفاق في آلياته من خرق للدستور ولميثاق العيش المشترك الذي أقره الطائف، فلقد ارتضيناه سبيلاً إلى الحل، أملا بأن "يعيدنا الاتفاق إلى الدستور والعملية السياسية، والى القواعد والأعراف الدستورية، سبيلاً لممارسة نظامنا الديمقراطي، ولحل مشكلاتنا بالحوار وداخل مؤسساتنا الدستورية". لكن، وللأسف، فإن حظر اللجوء إلى السلاح لم يُطبّق، وأحداث طرابلس أثبتت عكس ما تمناه اللبنانيون، وبقي السلاح يستعمل كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية. بصراحة، نحن لا ننتظر المعجزات من هذه الحكومة، ونعترف بحدود دورها ومهماتها وإمكانياتها، بما تمثله من توافق شكلي بين الطوائف والمذاهب، يخفي حقيقة الخلافات الجوهرية تحت شعار "حكومة الإرادة الوطنية الجامعة." ولكننا نتساءل: إلى متى يجب أن تبقى الحلول لخلافاتنا شكلية ولغوية ـ إنشائية لتُرضي في الظاهر أكثرية اللبنانيين؟ بينما الواقع يعكس تمسك حزب الله بمفهومه للدولة والمقاومة، ورفضه أن يكون سلاحه في كنف الدولة ليبقى هو لبنان ولا لبنان بدونه، كما يصرح قادته. وإلى متى علينا أن نتقبّل فعل الانتقاص من سيادة الدولة لصالح سيادة الأحزاب والمليشيات المسلحة؟ وهل يكفي أن "تلتزم الحكومة، بطبيعة الحال، توفير الأمن في كل المناطق اللبنانية وغيره من الموجبات الكفيلة بممارسة اللبنانيين حريتهم في اختيار ممثليهم"، كما جاء في بيانها الوزاري، لتأمين سلامة الانتخابات النيابية، بينما لبنان يعيش حالة من الفلتان الأمني ويبقى مهددا في كل لحظة باحتمال استعمال السلاح، كما يحدث في طرابلس، وما يشكله ذلك من ضغط يلغي مبدأ الانتخابات الديمقراطية؟ صحيح بأنه يمكن أن نكون قد تخطينا المرحلة السوداء من عمر الوطن، ويمكن أن يكون الجميع قد عاد إلى حضن الدولة، ولكن يبقى السؤال المطروح على جميع اللبنانيين ما هو مفهومنا للدولة وأي دولة نريد؟ هل هي الدولة السيدة المستقلة التي تستوعب جميع اللبنانيين؟ أم الدولة الغارقة في وحول الطوائف والمذاهب ودورها التوفيق بين مصالحهم، ولو على حساب المصلحة الوطنية ومستقبل الوطن؟ إن مفهوم سيادة الدولة على كامل أراضيها لا يحتمل المساومة، ولا مجال للتشكيك به أو محاولة تقليصه لصالح دويلات الأمر الواقع. فإما أن تكون لدولتنا سيادة مطلقة على أراضيها، فلا شرعية غير شرعيتها ولا سلاح غير سلاحها ولا مقاومة إلا من خلالها، ولا قرار إلا قرارها الذي يعبر عن الإرادة الوطنية، أولا تكون هناك دولة، فتسود شريعة الغاب ويضيع الوطن. ومفهوم الدولة يقتضي أيضاً أن تضع في أولى أولوياتها الاهتمام بالمواطن اللبناني، وتأمين العدالة له، والتخفيف من معاناته اليومية عن طريق العمل لتأمين الخدمات الأساسية من حيث النوعية أو عدالة التوزيع على كافة المناطق اللبنانية، وذلك في مجالات الصحة والتعليم، وتأمين فرص العمل بالراتب الذي يكفل له الحد الأدنى من الحياة الكريمة، إضافة لخدمات الكهرباء والهاتف والمياه وضرورة تخفيض تكلفتها، وإلغاء كافة الضرائب غير المباشرة على مختلف المواد الغذائية ومراقبة أسعارها وجودتها. كما أن مفهوم الدولة التي نؤمن بها، يقوم على واجب احترام حقوق المواطن الأساسية ومنع الاعتقالات الاعتباطية، وإبقاء الموقوفين قيد الاعتقال لفترات طويلة وفي ظروف رديئة قبل محاكمتهم، إضافة لتعذيبهم بما يتناقض وشرعة حقوق الإنسان. كما أن تجاوز القانون من قبل بعض السلطات، وإجراء التحقيقات خارج نطاق الضابطة العدلية المخولة قانونيا بإجرائها، واستمرار بعض التوقيفات لمدة تتجاوز مدة العقوبة المقدرة، ودون أي مستند قانوني، هو تجاوز للقانون... بل هو الظلم بعينه. واليوم، وبعد طول مخاض وعمليات قيصرية، تمت إحالة أكثرية ملفات الموقوفين على المحكمة المختصة، وبقي البعض الآخر يقبع في دوائر التحقيق المغلقة، حيث تبين ان الملفات التي أحيلت الى المحكمة، مثقلة بالتعقيدات القانونية والإجراءات الشكلية التي تزيد من معاناة الموقوفين وتؤخر البت بمصيرهم وإخلاء سبيلهم. وهذا كله مرده إلى عدم احترام أصول التوقيف والملاحقة ومدة التوقيف الواجب احترامها. وعندما أقرّينا في العام 2001 قانون أصول المحاكمات الجزائية الحالي، حاولنا الارتقاء قدر الإمكان إلى مستوى التشريعات الحديثة في هذا المضمار و ذلك عبر الموازنة ما بين سلطة الملاحقة و حقوق الإنسان. فكيف ندعو المواطن الى احترام القوانين اذا كنا نمعن كل يوم في نحر ما تبقى لنا من قوانين و مؤسسات دستورية؟ و كيف ندعو المواطن إلى احترام مبدأ عدم تدخل السياسة في القضاء والاطمئنان الى حقوقه و حريته و كرامته الشخصية اذا كانت الملاحقة في الأصل تجد لها سندا في السياسة؟ و كيف نبرر للمواطن تجاوز مدة التوقيف لبعض الموقوفين و تجاوز مدة العقوبة للبعض الأخر، و سجوننا تشهد على المئات من أمثال هؤلاء، و ربما أكثر؟ و كيف تريدون من المواطن احترام القرارات التي تصدر عن القضاء، إذا كان البعض ينسج في السياسة الأحكام مسبقاً، و البعض الأخر يذهب في الاستغلال و المتاجرة بقضايا الموقوفين إلى حدّ الرق و العبودية؟ و كأن حرية الفرد و المواطن ليست منّة من الله تعالى و إنما من السلطان أو ولي الأمر. لقد سبق وأعلنّا مرارا و تكرارا عن رفضنا واستهجاننا للأسلوب الذي تتم فيه معالجة قضايا بعض الموقوفين، و نعود و نقول ان هناك روابط اجتماعية و دينية وبيئية و عائلية تجمع ما بين الموقوفين وبين بعض المتهمين بالإرهاب. و ينبغي أن نفهم أهمية التفريق ما بين الارتباط بالإرهاب وبين التدين أو مع الروابط العائلية والاجتماعية. فإذا كان القانون الجزائي أخذ بالطابع الشخصي للعقوبة، فينبغي على سلطة الملاحقة أن تأخذ بالطابع الشخصي للملاحقة ولا يجوز ملاحقة فرد على إيمانه أو على جرم ارتكبه سواه. فإذا كنتم تحرصون على عدم تدخل السياسة في القضاء فاحرصوا على عدم تدخل السياسة في الملاحقة و التوقيف. و إلا لن يمنعنا احد من الوقوف للتصدي لهذه الممارسات. ومفهوم الدولة يعني أيضاً معالجة أحد أخطر مشاكل الوطن المتمثّل بالتفاوت الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بين مختلف المناطق اللبنانية نتيجة مركزية النظام اللبناني وهو الذي يشكل عائقا أساسيا أمام وحدة اللبنانيين ولحمتهم. وإنماء المناطق المحرومة والمتخلفة والحد من الفقر والأمية والمرض خطوات أساسية بوجه النزعات المذهبية والطائفية المتطرفة وخطوة أولية لتحقيق التنمية الحقيقية بين جميع اللبنانيين. وكلام البيان الوزاري عن اعتماد سياسات فاعلة للتنمية المتوازنة والمستدامة يبقى حبرا على الورق إذا لم يقترن بوضع إستراتيجية تنمية اجتماعية شاملة تحقق هذه الأهداف، كما أكد البيان أيضاً ولكن أيضا بدون التطرق لأي إستراتجية. دولة الرئيس، الزملاء الكرام، بالرغم من حجم الكارثة التي تعيشها عاصمة لبنان الثانية، لم يلتفت هذا البيان إلى واقع هذه المدينة القديم والمستجد إلا بخجل شديد، ومن خلال سطرين في الفقرة 38 وبعد تدخل من معالي الوزير محمد الصفدي. والمفارقة التي تستفز أبناء طرابلس والشمال أنه في الفقرة التالية مباشرة حديث عن تأمين الاعتمادات اللازمة لصندوق المهجرين وإلى مجلس الجنوب لاستكمال دفع التعويضات والالتزامات المستوجبة هذا المجلس وتنفيذ المشاريع التي يتولاها. وتشير الفقرة عينها إلى أن الحكومة ستبادر إلى إصدار سندات خزينة بقيمة 500 مليون دولار لهذه الغاية... يا دولة الرئيس ، إذا كنتم تستطيعون إصدار سندات خزينة بنصف مليار دولار لمجلس الجنوب ولباقي المهجرين، فنحن الآن نطالبكم بإصدار سندات خزينة لتمويل خطة إنمائية شاملة لمناطق الفقر والحرمان في مدينتنا وتأمين عودة مهجريها وإجراء كافة المصالحات بعد دفع التعويضات المستحقة للجميع. قضية المهجرين في كل لبنان أنجزت بنسبة كبيرة، وصرفت لها الأموال الطائلة، وبالمليارات، وقرية واحدة في الجبل صُرِف لمصالحاتها وإعادة إعمارها مبلغ 80 مليار ليرة. لكن طرابلس يا دولة الرئيس، بقيت خارج خطط الوزارات المتعاقبة للمهجرين، كما حصل في كثير من وزارات الخدمات. وما حصلت عليه المدينة من فتات المساعدات كنا ننتزعه بالمتابعة والمثابرة والملاحقة. دولة الرئيس، الإخوة الزملاء، أنا آت اليوم من عاصمة الشمال، طرابلس، المدينة الجريحة المنكوبة المحرومة المهجرّة... طرابلس التي دفعت وما زالت تدفع ضريبة التزامها الوطني. وهي كما دفعت في الماضي ثمن الاستقلال بإغلاق مرافقها الحيوية لحساب مركزية مطلقة للعاصمة في مختلف المجالات الاقتصادية والتنموية والثقافية والاجتماعية، فهي تدفع اليوم ثمن الأخطاء المتراكمة للنظام اللبناني الذي لم يلتزم بعدالة التنمية وإنصاف المناطق المحرومة من الوطن. إن الأرقام و الإحصائيات المخيفة حول الواقع المعيشي و التعليمي وواقع البطالة لمدينة طرابلس تجعلنا نخجل، ليس نواب طرابلس فحسب بل نواب الأمة جمعاء، في ما آلت إليه مدينتنا مدينة العلم و الأخلاق و التاريخ، ونحن لن نستكين حتى نعيد لطرابلس حقوقها ومجدها وعراقتها لتصبح فعلا طرابلس عاصمتنا الثانية و ليس قولا في مفردات بعض كتبنا البالية. إن اعتماد الكلام المنمق لم يعد يجدي فتنمية منطقة طرابلس أصبح اليوم أولوية لبقاء الوطن واستمراره، ونحن إذ نؤكد بأن طرابلس ليست كل لبنان، ولكن بدون طرابلس وإذا ما استمر الإهمال وتراكمت المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، فإننا حقا نخاف على لبنان. دولة الرئيس، السادة الزملاء للأسف الشديد، المشهد في مناطق الاقتتال مؤلم جداً: المعارك الأخيرة أضافت علامات جديدة الى معالم قديمة. مئات العائلات تقطن الآن في مدارس المدينة، هربوا إليها بعد أن فقدوا الأمان وخسروا منازلهم أو لم يعودوا مطمئنين إلى الاستقرار الذي يحتاج إلى حزم من الجيش اللبناني لتعود ثقتهم بأن الجيش هو الضمانة للأمن. هل أصبح الحرمان من تراث هذه المناطق؟ لم تعد طرابلس أم الفقير... بل أصبحت مدينة الفقراء. لم تعد التبانة سوقاً للذهب، ولم تعد قبة النصر موطن التعايش بل تحولت لخطوط تماس ودمار. دولة الرئيس، السادة الزملاء، لا يمكن أن نصبر حتى تجري الانتخابات وتؤلف حكومة جديدة فنحن بحاجة لتحرك فاعل قبل ساعة الندم. كنا نتمنى أن تكون طرابلس وجرحها النازف على الجدول الرسمي لأعمال هذه الحكومة، لأن بقاء هذا الجرح نازفاً يعني غياب الاستقرار، ليس في طرابلس وحدها، بل وفي كل لبنان. وكنا تمنى أن تعلن الحكومة حالة طوارئ إنمائية لطرابلس ومناطق الحرمان فيها. وأن تُقرّ بأن الدولة تتحمل الجزء الأكبر من مسؤولية الحوادث المتكررة في هذه المناطق، لأنها ساهمت بتأمين الأرضية الخصبة لها، بتجاهلها وحرمانها، وتركها تواجه قدرها بنفسها بعد أن أدارت ظهرها لها. وكنا نتمنى أن يحدد بيان الحكومة خطة النهوض بالمدينة من خلال إقرار الدعم لمشروع إنماء مدينة طرابلس وضواحيها، عبر إطار رسمي على غرار ما يقوم به مجلس الجنوب، أو أي آلية أخرى تساهم بإنماء المدينة وبتنمية الاستثمارات ورفع مستوى أداء الخدمات فيها. كنا نتمنى أن يطرح البيان الوسائل العملية لتفعيل مشاريع طرابلس المنفذة أو تنفيذ ما هو مقرر ولم ينفذ بعد نتيجة المماطلة والتأخير. لا أريد أن أكرر المطالب المسجّلة في محاضر هذا المجلس مراراً وتكراراً، فمشاريع مدينتنا الحيوية ما زالت معطلة وحرمان أهلنا يتزايد وواجبات الدولة والتزاماتها كان يفترض أن تكون على مستوى تزايد الأخطار الاجتماعية والاقتصادية والأمنية المحدقة بمدينتنا. دولة الرئيس، السادة الزملاء على الرغم من تقديري وثقتي برئيس الحكومة وبصموده وبكل ما قدمه ويقدمه من تضحيات دفاعا عن لبنان، وتقديري للحكومة التي لنا بينها أصدقاء وحلفاء، وانسجاما مع قناعاتي الشخصية و ما آلت إليه أوضاع مدينة طرابلس، وأمام ما أصابها و يصيبها من حرمان و إهمال وأمام غياب المعالجات الجذرية المنشودة على مختلف الصعد الأمنية والإنمائية، في البيان الوزاري، فإنني أعلن حجب الثقة عن الحكومة. وشكراً
For More Information Contact: |
Contact Information
|